أحمد عبد الباقي

152

سامرا

واستفادوا منها كثيرا مما ساعدهم على تقدمهم الحضاري . ولا ينكر انهم تعرفوا عن طريق الحضارة الهيلينية التي كانت سائدة في البلاد المذكورة على آثار القدماء في ميدان العلوم والفنون « 2 » . وقد استهدف العرب في عهد الفتوح اجتياح بلاد الروم نفسها والاستيلاء على عاصمتهم القسطنطينية ، وقد أوشكت الإمبراطورية البيزنطية ان تمحى من الوجود تماما على أيديهم ثلاث مرات بين سنتي 48 و 99 ه ، وكان الخطر العربي ماثلا على الدوام في ذهن كل بيزنطي « 3 » . وكانت آخر مرة استهدفت فيها العرب الاستيلاء على القسطنطينية في 223 ه عندما اجتاح المعتصم باللّه بلاد الروم وافتتح عمورية ، الا ان مؤامرة قامت ضده حالت دون تحقيق ذلك . وعلى الرغم من توقف موجة الفتح العربي في بلاد الروم على عهد الخلفاء العباسيين في سامرا ، فان الحروب ظلت مستمرة تقريبا بين الدولة العربية وإمبراطورية الروم . الا انها كانت على شكل غزوات على أطراف الحدود بينهما ، وهدفها رد العدو ومنع اذاه ، أو ارهابه والحاق الأذى به والفوز بالغنائم . وقد أشرنا إلى هذه الحروب في فصل سابق . وكانت هذه الحروب ، كما رأينا ، متصلة بحيث لم تمر سنة من سنوات الخلافة العباسية في سامرا دون نشوب قتال بين الجانبين ، خلا فترات وجيزة من الهدوء كما أشرنا في صدر هذا الباب . وقد أدى استمرار الحروب الحدودية بين الدولتين إلى أن تقوم كل منهما بتحصين ثغورها وشحنها بالمقاتلين المحترفين ، مما كان يستلزم حالة مستديمة من اليقظة والاستعداد لدفع عدوان المغيرين . على أن تواصل هذه المعارك بما يستتبع من علاقات غير مقصودة بين

--> ( 2 ) الإمبراطورية البيزنطية / 366 . ( 3 ) حضارة الاسلام / 51 .